فَتَيَاتُ حِسَان

الجُنديُّ المَجهول

حين نسمع عن الجندي المجهول، كثيرًا ما نذهب بخيالنا مباشرة إلى ساحة حرب، إلى رجلٍ يحمل سلاحه ويقف في الصفوف الأولى. لكنَّ الحقيقة أنَّ مفهوم الجندية أوسع بكثير مما نظن، وأنَّ ساحات المعارك لا تكون دائمًا ترابًا وبارودًا… أحيانًا تكون قلوبًا تساند، وأرواحًا تُنهض، وطريقًا يُمهَّد لغيرنا دون أن يشعر.

الجندي المجهول ليس شخصًا واحدًا، بل هو آلاف الوجوه التي تمرُّ في حياتنا دون أن نلتفت لعمق أثرها. هو ذاك الذي يضع في قلبك كلمةً تُنهِضك، أو يمدُّك بقوة حين تتعب، أو يفتح لك بابًا لتنهض وأنت تحسبه موصدًا. أحيانًا يكون في الخلف يعمل بصمت، يراقب خطواتك ويحرص على ثباتك دون أن يطالب بشيء. وأحيانًا يكون في الواجهة، يقف ليحميك من ضجيج الحياة، ويكون أوَّل من يتلقَّى السهام ليبقى طريقك آمنًا.

الجندي المجهول قد يكون أبًا ينهض قبل الجميع ليؤمِّن لكم حياةً كريمة، أو أمًّا ترفع أكفَّ الدعاء كلَّ ليلة دون أن يشعر أحدٌ بثقل قلبها، أو معلِّمًا يرى فيك نورًا صغيرًا فيقرِّر أن يمنحه كلَّ ما يستطيع ليكبر. قد يكون صديقًا يعرف مواطن وجعك فيسندك من غير أن تطلب، أو غريبًا يمرُّ لحظةً في حياتك فيترك كلمةً لا تُنسى.

وربَّما يكون أحد أولئك الذين لا تراهم إلا حين تنظر خلف نجاحك، فتكتشف أنَّ خطواتك لم تكن وحدك، وأنَّ كلَّ جهدٍ بذلتَه كان يرافقه جهدٌ آخر لا يُرى. كم من مرَّة ظننَّا أنَّنا وحدنا في المعركة، ثمَّ اكتشفنا أنَّ هناك من كان يقاتل معنا في الخلف — من كان يرفع معنوياتنا، أو يزيح حجرًا من طريقنا، أو يدفعنا إلى الأمام ونحن لا نعلم.

والأجمل أنَّ هؤلاء الجنود لا ينتظرون شكرًا. يعملون لأنَّ قلوبهم خُلقت لتساند، ولأنَّ العطاء عندهم فطرةٌ لا ينتظرون عليها مكافأة. ربَّما لا يعرفهم أحد، وربَّما لم تُقَل أسماؤهم، لكنَّ أثرهم يبقى، ونورهم يمتد، وذكرهم محفورٌ في السَّماء قبل أن يُكتَب على الأرض.

فكلُّ نجاحٍ نعيشه اليوم هو مزيجٌ من جهدنا وجهد أولئك المجهولين الذين آمنوا بنا في لحظات كنَّا فيها بحاجة إلى يدٍ ترفعنا. وكلُّ خطوةٍ ثابتة نخطوها، يقف خلفها جنديٌّ صامت، يضع من روحه قبل فعله، ويترك أثرًا يسبق اسمه… ويظلُّ معروفًا حيث لا يضيع الأجر.

شارك هذه المقالة