وَأَنَا أَقرَأُ فِي تَفسِيرِ قَولِ الله: «إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستعِين» قَالَ ابنُ عَبَّاس رضِيَ اللهُ عنهما: “إِيَّاكَ نَستعِينُ عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى أُمورِنَا كُلِّهَا”.
وكَأَنَّ اللهَ يُخبِرُ عِبادَهُ بأفضَلِ الدُّعاء؛ وهو سؤالُ اللهِ الإعانَةَ عَلَى العبَادَة. وفِي تقديمِ عبادَةِ اللهِ وحدَهُ — وهي أعظمُ القُربات — ثُمَّ اقترانِ ذلِكَ بسؤالِ اللهِ الإعانَةَ عَلَى ذَلِك، دلالةٌ على أنَّ أفضلَ الدُّعاءِ ما كانَ فيهِ سؤالُ التَّوفيقِ والمعونَةِ على طاعتِهِ وعِبادَتِه؛ لأَنَّهُ مَن وُفِّقَ لعبادَتِهِ فَقَد فَازَ، ومَن وُفِّقَ لِسُؤالِ تِلكَ الإعانَةِ فَقَد استعانَ بأكبَرِ أسبابِ الفَوزِ بِتِلكَ العبادَةِ وهو الله. فَأَنتَ تَعبُدُهُ وحدَهُ وترجُوهُ كذَلِكَ وحدَهُ أَن يُعِينَكَ عَلَى ذَلِك.
والاستفتاحُ بالاستعاذَةِ مِن الشَّيطانِ الرَّجيمِ في مُفتتَحِ القراءة، استعانَةٌ باللهِ على تجنيبِنا مَسلَكَ الشَّيطانِ في الاستكبارِ والإعراضِ عن طاعتِهِ وعدمِ الانقيادِ لِعِبادَتِهِ.
فتقديمُ هَذَينِ الأمرَينِ تبيينٌ للعِبادِ أنَّ أعظَمَ محمودٍ مطلوبٍ هو عبادَةُ اللهِ والاستعانَةُ بِهِ، وأنَّ أعظَمَ مَذمومٍ متروكٍ هو الشِّركُ باللهِ والاستكبارُ عن طاعتِهِ.
وفِي تقديمِ ذَلِكَ للخلائِقِ في فاتِحَةِ الكِتاب؛ دلالةٌ عَلَى أنَّهُ لا تقعُ الهدايةُ إِلَّا بعدَ وقوعِ أصلِ الهداياتِ كُلِّهَا، وهِي عبادَتُهُ والانقيادُ لَهُ. وأنَّ التَّمثُّلَ بسُلوكِ طريقِ الَّذينَ أنعمَ اللهُ عليهِم لا يُغنِي شيئاً دونَ تحقيقِ التَّوحيدِ ونَبذِ الشِّرك. قالَ الله: «وَلَوۡ أَشۡرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ يَعۡمَلُونَ».
لأنَّ هُناكَ الكَثيرَ في الأُمَّةِ مَن تَلمَعُ أعمالُهُم إِذا رَأَيتَهُم وهُم غارِقونَ فِي وَحلِ الشِّرك.
وَلِذَا عقَّبَ اللهُ مُباشَرَةً بعدَ سؤالِ الهدايَة، بالحَذَرِ مِن طرائِقِ أهلِ الشِّركِ، وأنَّهُ لا تُقبَلُ الأعمالُ إِلَّا خالِصَة، وأنَّ الصِّراطَ لا يكونُ مستقيماً إِلَّا إِذَا نَقَّيتَهُ مِن مَسالِكِهِم. قالَ اللهُ تعالى: «غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ».
ما أجمَلَ سورةَ الفاتِحَة، سبحانَ الله!