فَتَيَاتُ حِسَان

لِثامُ الشَّهامة

في الأزقة الضيقة، بين الجدران المتشققة، وتحت سماء لا تغيب عنها الطائرات، يمشي رجل ملثَّم.

لا نعرف اسمه، ولا نرى وجهه، لكننا نحفظ ملامحه في قلوبنا، ونسمع صوته في صمتنا، ونحمل أثر خُطاه في ذاكرة الأرض.

في غزة، حيث تختلط الحياة بالموت، والأمل بالخطر، يصبح اللثام أكثر من قطعة قماش. إنه رمز وهوية، قَسَمٌ غير منطوق، وراية مرفوعة رغم القيد. الحاضر الغائب، الذي لا يسأل عن مجد، ولا يطلب شهرة، يكتفي بأن يبقى ظلاً يمشي بيننا؛ يمنحنا الطمأنينة في لحظة رعب، ويزرع فينا القوة حين ينهار كل شيء.

الملثَّم ليس شبحًا، لكنه لا يحب الضوء. ليس خائفًا، لكنه اختار التخفي ليحفظ الأرض لا ليحمي نفسه. يعرف أن الاحتلال يخشى الاسم كما يخشى الرصاصة، لذلك يخفي هويته ويحفظ أسرته، لكن أثره يبقى حاضرًا معروفًا.

وحين يظهر، تستقيم الأرض تحت قدميه. الغبار الذي يثيره في خطواته يبعث رسالة للعدو: نحن هنا، لم نُهزم، ولن نُهزم.

لثام الشهامة لا يُباع ولا يُشترى، ولا يُمنح في حفل ولا يُرتدى للزينة. يُلبَس بالنية، يُشدُّ بالعهد، ويُبارك بالدم. إنه لثام لا يرتديه إلا من باع الدنيا واشترى المبدأ، من اختار الطريق الوعر، وترك الراحة والضوء، ومشى في نفق العتمة ليصنع لنا فجراً.

قد نراه في صورة باهتة، أو مقطع صامت، يحمل بندقيته بثبات. عيناه وحدهما تنطقان بما لا يُقال. خلف اللثام تختبئ قصص وحكايات وأعمار؛ أمهات ينتظرن، وأطفال لا يعرفون أن أباهم هو من يحرّك الحدود، ويُربك الاحتلال، ويزرع الرعب في قلوب الجنود المدججين بالخوف.

هو الذي لا ينام حين ننام، ولا يطمئن حين نطمئن. يعيش حياة منفى داخل وطنه، بلا ترف الانكشاف، لكنه يملك كل الكرامة.

في كل عملية نوعية، في كل ردٍّ وقصف، هناك ملثَّم في الظل: خطّط، راقب، خاطر، ثم عاد إلى صمته دون أن يُعرف اسمه.

اللثام ليس إخفاءً، بل إعلان. إعلان أن هناك رجالاً يعرفون الثمن ويدفعونه بصمت. رجالاً لم يكتبوا الشعر، لكنهم صاروا قصائد. لم يلقوا خُطَبًا، لكن صدى صمتهم يعلو كل صوت.

لثام الشهامة… صورة لا يكتمل الحديث عن غزة دونها، وعنوان مكتوب بالبارود وموقَّع بالدم.

هو السرّ الذي نحبه، والبطل الذي لا نراه، لكنه يسكن دعاءنا في كل سجدة.

لا يبحث عن الضوء… لكنه النور حين يُطفأ كل شيء.


بقلم: مي الهاشمي

١٩ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ / ١١ تشرين الأول ٢٠٢٥ م

شارك هذه المقالة