فَتَيَاتُ حِسَان

الأَمانَة

فَرَضَ اللهُ تبارَكَ وتعالى على الإنسانِ حَمْلَ الأمانة، فلا بُدَّ أن نتسابَقَ على التَّقوى وكسبِ الأجرِ والثَّوابِ في الحياةِ الدُّنيا والفَوزِ بالآخرة. وإنَّ حَملَ الأمانةِ للإنسانِ مختلِفٌ عن باقِي المخلوقات؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ مَيَّزَ الإنسانَ عن باقِي المخلوقاتِ بالعَقل، فهو نعمةٌ مَنَحَهَا اللهُ للإنسانِ وجعَلَهُ أداةً للإدراكِ والعِلمِ والتَّمييز. واللهُ تعالى اختارَ الإنسانَ ليختَبِرَهُ، فالدُّنيا اختبارٌ منحَهَا اللهُ لنا كي يختبِرَنا.

والأمانةُ لها دَورٌ في هذا الاختبار. فالأمانةُ تشمَلُ كلَّ شيء: أرواحَنا، وأجسادَنا، وصِحَّتَنا، وسَترَ عَوراتِنا، ووَقتَنا الَّذي نُضيعُهُ ولا نستثمِرُهُ في أُمورٍ تنفَعُنا في الدَّارِ الآخرة.

فالوَقتُ مُهِمٌّ جِدًّا، ونُسأَلُ عنهُ يومَ القيامة. وقَد كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يتنافَسونَ ويتسابَقونَ في عَمَلِ الخَيرِ والأعمالِ الفاضِلَةِ عِندَ اللهِ تعالى، وكانوا يسألونَ ويتساءلونَ عن أَحَبِّ الأعمالِ عِندَ الله. كُلُّ هذه أمانةٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجَل.

وكانَ الصَّحابةُ رضِيَ اللهُ عنهُم في زَمَنِ الرَّسولِ ﷺ يتحَلَّونَ بأداءِ الأمانة، وكانَت الأمانةُ شيئاً عظيماً عِندَهُم. فَقَد كانَ الصَّحابيُّ الجَليلُ أمينُ الرَّسولِ وصاحِبُ سِرِّ المنافقين: حُذيفةُ بنُ اليَمانِ رَضِيَ اللهُ عنه يحمِلُ الأمانةَ على أَتَمِّ وَجه. عَن حُذيفةَ بنِ اليَمانِ رضِيَ اللهُ عنه:

«حَدَّثَنَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، قَد رَأَيتُ أَحَدَهُما وأنا أَنتَظِرُ الآخَر: حَدَّثَنَا أنَّ الأمَانَةَ نَزَلَت في جَذرِ قُلوبِ الرِّجَال، ثُمَّ نَزَلَ القُرآن، فَعَلِموا مِنَ القُرآنِ وعَلِموا مِنَ السُّنَّة. ثُمَّ حَدَّثَنَا عن رَفعِ الأمَانَة، فَقَال: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأمَانَةُ مِن قَلبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ أَثَرِ الوَكت، ثُمَّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأمَانَةُ مِن قَلبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ أَثَرِ المَجل، كَجَمرٍ دَحرَجتَهُ عَلَى رِجلِكَ فَنَفِط، فَتَرَاهُ مُنتَبِرًا وَلَيسَ فيهِ شَيء. ثُمَّ أَصبَحَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأمَانَة، حَتَّى يُقَالَ: إنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجلَدَهُ، مَا أَظرَفَهُ، مَا أَعقَلَه! وَمَا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَردَلٍ مِن إِيمَان».

وَصُلبُ هَذَا الحَديثِ أنَّهُ في آخِرِ الزَّمانِ يُصبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعونَ، ويُدارُ الرَّجُلُ الأمينُ مِن قِلَّتِهِ وقِلَّةِ وُجودِه، ويُصبِحُ قَليلونَ جِدًّا الَّذينَ يَحمِلونَ الأمانة.

شارك هذه المقالة